الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
56
نفحات الولاية
أعمق على عظمته وتعززت به معرفتنا الإجمالية أكثر فأكثر ) إلّاأننا حين نعود بالسؤال لأنفسنا عن ماهيته وكيفيته ونحاول الاقتراب من حقيقة ذاته المقدسة لا نحظى سوى بالحيرة والغموض ؛ الأمر الذي يجعلنا نقول بأنّ السبيل إليه مفتوح على مصراعيه وفي نفس الوقت مؤصد ومغلق تماماً . وهنا يمكننا إيضاح هذه المسألة بمثال بسيط . فالكل يعلم بوجود قوة الجاذبية ؛ لأنّ كل جسم يترك في الهواء يسقط إلى الأرض بفعل جاذبيتها ، ولولا هذه الجاذبية لانعدم استقرار الأجسام على سطح الكرة الأرضية . ولا تقتصر معرفة الجاذبية والعلم بوجودها على العلماء ، بل يدركها حتى الصبية والأطفال ؛ ولكن ما هي حقيقة الجاذبية ، هل هي أمواج لا مرأية أم ذرات مجهولة أم قوة أخرى ؟ والعجيب أنّ قوة الجاذبية وخلافاً لكل ما نعرفه من قوانين عالم المادة ، يبدو أنّها لا تحتاج من زمان للانتقال من نقطة إلى أخرى ، بل على خلاف الضوء الذي يمثل أسرع حركة في عالم المادة ، في حين قد يحتاج إلى مدّة زمانية تصل إلى ملايين السنين الضوئية للانتقال في الفضاء من نقطة معينة إلى نقطة أخرى . إمّا قوة الجذب فتنتقل في لحظة من أية نقطة في العالم إلى أخرى ، أو أنّها تمتلك حد أقل من السرعة يفوق ما سمعناه لحد الآن . فما هذه القوة التي تمتلك مثل هذه الآثار ؟ وما حقيقة كنه هذه القوة ؟ ليس هنالك من يسعه تقديم جواب شاف لهذه الأسئلة . فإذا كان علمنا ومعرفتنا بشأن القوة الجاذبة - التي تعتبر أحد المخلوقات - تقتصر على المعرفة الإجمالية دون المعرفة التفصيلية ، فأنى لنا توقع المعرفة بكنه الذات المقدسة لخالق عالم المادة وما ورائها من وجودات لا متناهية ؟ ! لكن مع ذلك فإننا نراه حاضراً وناظراً في كل مكان ومقارناً لكل وجود في العالم . امّا العبارة « ومن حده فقد عده » فهي إشارة إلى أمر مهم يتضح من الكلام السابق وهو أنّ من حد اللَّه وجب عليه أن يراه معدوداً ، وبعبارة أخرى فإنه يعتقد بإمكانية وجود الشريك له . لأنّ المطلق من جميع الجهات فقط هو الذي يأبى الشبيه والمثيل والشريك ؛ بينما إن كان محدوداً ( مهما كانت عظمته وقدرته ) كان له شبيهاً ومثيلًا خارج ذاته ، وبتعبير آخر فليس هناك من ضير في تصور موجودين محدودين أو أكثر ( مهما بلغ كبرهما ) ، بينما يستحيل تصور وجود ثان للمطلق من كل الجهات ؛ وذلك لأنّ كل ما يتصور إنّما يعود إلى ذاته .